اسماعيل بن محمد القونوي

22

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كان في صورة الإثبات لكنه في معنى النفي إذ معنى الإثبات غير مستقيم بداهة ولقوة القرينة حذف حرف الإنكار . قوله : ( وحذف ما حذف استغناء يجري مثله ) صفة استغناء فعل مضارع معلوم أو هو مصدر مجرور ومعناه أنه ترك فيه حرف الإنكار الذي هو نفي معنى وأتى به مثبتا والمق نفيه أيضا وهذا أعني قوله يجري مثله فإنه مماثل لقوله : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ [ محمد : 14 ] فما اعتبر فيه يعتبر في هذا وهو المصحح للتعرية كذا قيل أي قوله تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ [ محمد : 14 ] الآية قرينة على اعتبار حرف الإنكار في مثل الجنة لأنه لا يصح الإثبات فيه فلا جرم أن المعنى على النفي كما في أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ [ محمد : 14 ] الآية ولو اكتفى بما ذكرناه من أن حذف حرف الإنكار لظهور عدم صحة الإثبات فحذف استغناء عنه بقوة القرينة ألا يرى أنه لو لم يقارن بقوله : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ [ محمد : 14 ] الآية يصح الحذف بهذه القرينة القوية . قوله : ( تصوير المكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع للهوى ) تصويرا علة مرجحة فيكون تعلقه بعد التقييد بالأول وفي هذا البيان ترق دون عكسه وفي الكشاف زيادة تصوير ولا وجه لترك المص إلا أن يقال إنه لو ذكر حرف الإنكار لم يوجد التصوير المذكور حتى يكون تركه زيادة تصوير قوله بين المتمسك بالبينة هذا معنى قوله : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ [ محمد : 14 ] والتابع للهوى معنى قوله كمن زين له الخ واكتفى به لأنه سبب تزيين سوء عمله قوله من يسوي الخ إشارة إلى أن المراد في مثله التشابه لا التشبيه . قوله : ( بمكابرة من يسوي بين الجنة والنار ) متعلق بالتصوير وإن التسوية في الثاني ظاهر البطلان لكون عدم التسوية بديهيا جليا لكونه حسيا وكذا التسوية الأولى لأنها بمنزلة التسوية الثانية ففي هذا التصوير جعل المعقول كالمحسوس والمتخيل كالمحقق نقل عن الانتصاف أنه قال النكتة التي ذكرها لا يعورها إلا التنبيه على أن في الكلام محذوفا لا بد من تقديره لأنه لا معادلة بين الجنة وبين خالد النار إلا على تقدير مثل ساكن الجنة يقوم وزن الكلام ويتعادل كفتاه وبهذا الذي قدرته ينطبق آخر الكلام فيكون المقصود بيان بعد التسوية بين المتمسك بالبينة والراكب الهوى ببعد التسوية بين المنعم في الجنة والمعذب في النار على الصفات المتقابلة المذكورة في الجهتين وهو من فرد أن ينظر الشيء لنفسه باعتبار حالتين أحدهما أوضح في البيان من الأخرى المتمسك بالبينة هو المنعم في الجنة الموصوفة والمتبع للهوى هو المعذب في النار المنعوتة ولكن أنكر التسوية بينهما باعتبار الأعمال أولا وأوضح ذلك بإنكار التسوية بينهما باعتبار الجزاء انتهى ملخصا وما ذكر هنا من التطويل الممل لا يفيد إلا أن ما ذكر مستفاد من ذكر مثل الجنة الخ عقيب أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ [ محمد : 14 ] الخ وترك حرف الإنكار كونه مفيدا لما ذكر غير ظاهر فإنه لو ذكر حرف الإنكار يفهم التصوير المذكور أيضا بملاحظة أن الثاني محسوس والأول معقول ولذا لم يذهبوا إلى عكس المذكور .